الأربعاء، 31 مارس 2010

الحرية من وجه اخر




الحرية من وجه اخر





جلست في احد اركان غرفتها عابسة مفكرة، متخدة من يديها متكأ لراسها، ومن حكايات الزمان موضوعا لتفكيرها، محدقة في الثلاثة الجالسين في الصالة، ترمقهم بنظرات طويلة تبين عن تردد كبير وتارجح مستمر بين اقرار شيئ من عدمه، ابوها هناك مركز نظره على برنامج ديني في التلفاز، بين الفينة والاخرى تتمايل شفاهه بين لحيته الكثيفة تحميدا وتكبيرا، بقربه امها ممددة على السرير لا تسمع لها نفسا، فهي غائبة في عالم من النوم التائه، وبقرب الاتنان اخوها مقطب لجبينه غاضب من ما يسمع من تهافت القول في البرنامح المذاع، يريد ان ينتقد تلك الافكار المزيفة التي تروجها مثل ثلك البرامج فتخلق بها مستعمرات لها في وعي اشخاص سذج كابوه، قال في غضب : دائما نفس القول يكررونه، قال كذا قال كذا، يريدون ان يرسخوا ايديولوجية مفلسة وافكار فاسدة مستغلين عقولا ساذجة تبحث عن اطمئنان نفسي سهل لا يتطلب ادنى بحث او قدرة فكرية . لم يحول الاب عينيه عن التلفاز ولم يجبه كانما يعبر بصمته ذاك عن شفقته على افكار حداثية رائجة بين عقول الشباب الحديث، لكن ابنه الذي تشبع بروح الحرية وبقيم الفكر الجديد لم يرضه صمت ابوه فاردف في اصرار : انها منظومة عنصرية تاسست في زمن قديم ولم يعد لها مكان في زمننا، ولن تنجح دور العبادة تلك ولا هذه البرامج المتهافتة من منع ثورة الحرية والفكر الخالص العلمي التي تكتسح عقول الخاصة و العامة سواء لحظة بعد لحظة، زمن العبودية والتبعية الفكرية الكفيفة ولى وانتهى ... لم يمهله الاب حتى يكمل كلامه فقاطعه في غضب ثائر : لعنة الشيطان حلت، قم الى غرفتك. نظر الابن نظرة مشبعة بالسخرية والحنق في وجه ابيه ثم ابتسم وقفل ذاهبا الى غرفته، فراى اخته جالسة جلستها تلك في ذهول وصمت كئيب، فاستغل وجودها وقال بلهجة المنتصر المزهو بنصره مشيرا الى اخته : هاهي العبودية الفكرية الاخذة في الزوال.



افاقت من ذهولها على وقع كلماته، مرتجفة خائفة ، كانما اخوها بقوله ذاك فضح سرها وسبر اغوارها ، لقد كانت تفكر في امر خطير يؤرقها ويقض مضجعها، البارحة اقدمت على التفكير في خطوة جديدة في حياتها ومن ساعتها وهي حائرة لا تستطيع ان تجزم بما ستفعله، هل تزيل حجابها عن شعرها وهو ما يوافق قناعاتها ومعتقداتها الجديدة، ام ترضح لسلطة ابوها وحكم المجتمع المحدد لسلوكات افراده وتعاملاتهم؟؟ وماذا يقول عنها اصحابها حينئذ ومن يعرفها من الجيران والخلان والاقارب؟؟ العمة الجاهلة والخالة الحسودة سيستنكران الامر بالتاكيد وسيربطان ازالة الحجاب بفساد الاخلاق وسيعلقون على ذلك بشتى الاقاويل : تلك الفتاة الملتزمة التي لطالما عهدناها ملتزمة طيبة تتغير بهذه الطريقة.. فسدت اخلاقها والله، هذا المجتمع يضيع يوما بعد يوم. وابوها سيشعل الدنيا فوق راسها، لن يناقشها في سبب قرارها بل لن يصغي لحرف واحد منها حتى ، الدين هو الدين، لا نقاش في ما هو قدسي الا بما يعزز ويكرس هذه القدسية ، يجب تطبيق ما قاله الاجداد وما يقوله فقهاء الدين في فتواهم، لا يمكن ان يرضى ابدا بمثل هذه الامور التي يعتقد اعتقادا جازما بانها تخالف معتقداته التي بالضرورة يجب على كافة افراد اسرته الاعتقاد بها وتطبيقها، وستوافقه زوجته بكل تاكيد، فهي التي نشات وتربت على فكرة كونها ناقصة عقل ودين وعلى الخضوع لكلمات زوجها اعتقادا منها بان عملها ذاك يدخلها الجنة، ثم ان عمل ابنتها سيجلب لها الفضيحة امام صحيباتها وامام نساء العائلة، ستتهامس النساء بفضيحتها طبعا ولن تخرس السنتهم ما يعرفنه في قول دينهم عن النميمة بالغير. اما اخوها التائر- وهنا ابتسمت عند التفكير فيه - فبالتاكيد سيفرح لهذا الامر وسيعتبرها صحوة فكرية ستعزز موقفه الرافض للمعتقدات الراسخة التي من منظوره تعطل التطور الانساني وتمنع الرقي بالعلوم والفنون الجميلة. افاقت من كل هذا وتتبعت خطوات اخيها المتجه الى غرفته ثم حولت ناظريها الى ابيها، نظرت صوبه بامعان واصرار، نهضت من مكانها ووقفت في باب غرفتها، اطالت النظر مجددا في ابيها كانها تتنبأ بما سيقع بعد لحظات، ثم عزمت عزمها وقررت قرارها، توقفت امام ابيها وبكل احترام وادب وحشمة قالت : ابي، من فضلك اريد التحدث معك في موضوع يخص معتقداتي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك مرحب به هنا