الأحد، 18 يناير 2009

الموسيقى

الى مفكرة وذواقة، كاتبة متعلمة ومتابرة، سامية العطائي.

الثلاثاء‏، 1 أيلول، شتنبر‏،2007 في الرباط اسامة عمي

الموسيقى

حينما نلعب بالسنتنا وشفاهنا متخدين بهما مواضع كيفما تتطلبها النوتة المرادة، حينما تداعب اناملنا خيوط الالات الجامدة على اختلاف انواعها واشكالها و نغماتها الرنانة، فتدب فيها حركة لطيفة هادئة ومن ثم حياة رطبة لا يتذوق سكرها او يشعرها الا الحي بصحيح. وحتى حينما تسافر الرياح العليلة متسللة بين الاغصان الهشيمة او تسمح للاي العظيم بالارتطام والانكسار فوق اليبس، حينها ترهف الاذان وتتنفس النفوس وتطيب الارواح وتذكى القلوب، وتتحطم الشوائب وتذوب جبال السأم وتنصرف الهموم وتوجل الافئدة.

هي السكون والحركة، هي الصحوة والغفوة، هي البذل والعطاء، هي الانس والوحشة، هي البعد والقرب، هي البلسم الطبيعي لعظيم وخطير من الجراح الحارة والندوب المعصرة والاثار المحزنة وغيره في كل ذلك مما يخص الام واحزان الروح. وهي الالغام مشتتة فيما بين احزان الماضي العسير و الحاضر الجميل، وهي دواء الملل والسأم والضجر ورتابة الزمن وقسوة الساعة. وهي خيط النجاة من غزو الذكريات الجافة و متاعب الضمير بما علق فيه من ندم وسخط على مقترفاتنا عند اعقاب ارتكابنا اياها.

هي التفكير العميق، و السهو الغشيم. هي رمز للحياة الهادئة المرتبة، تسلي الروح و تضطرها الى الرفاهية و اللطف المحسوس، تنخر الجسم بليونة و تستقر في جوف لا معلوم، تزعزعه وتجلجله من اخمص القدمين الى قمة الجسد، و ترفعه من البعد المادي الى البعد الاخر، الى العالم الاكبر، في كون الاسرعة والزمن الامحسوب، بالوانه الغريبة عن ؤمزية الالوان البشرية، ببلايين ابعاده واشكاله وعلومه، ثم تسمو به الى مرحلة من الشعور الحسي، لتوطد العلاقة بين العالمين والبعدين، وتخلق امتزاجا حيا بين العقل والروح، حتى تصل به الى ذروة المجد الروحي والفرح الفوقي.

انها الموسيقى، دليل تفوق العالم الاخر، دليل تاثيره في العالم المادي الضئيل، دليل انتصاره الواضح على العالم المادي البشري، دليل قدرته في اختراق الحواجز الضخمة بين العالمين، حتى المادة والى العقل ومن ثم الى الروح البشرية، دليل اعجز مادتنا بالاتها المعظمة حتى القداسة، فلم تتجلى قط لالة البصر، ولا الة الشم ولا اللمس ولا الذوق، واكتفت بادهاشنا بالسماع لها واللهو بسبر اغوار عالمها.

انها معجزة االانسان، وقدرة الطبيعة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك مرحب به هنا