الخميس، 23 أكتوبر 2008

حكاية شيخ

هذه حكاية الواقع المشين، حكاية نجاح وفشل، حكاية وصول الى ذروة السعادة ثم سقوط الى منتهى الحزن. فكرت في روايتها على شكل رواية طويلة، لكني ارتأيت فيما بعد ان الخصها على هذا الشكل، بيد انني علمت اني اخطات، اذ لم تدون احداث مهمة، على اني فكرت ان افكر في شكل جديد لها يكون اطول واشمل.
مهداة الى صديق فاضل..احمد بوحماد
ايلول، شتنبر 20 ، 2007 في الرباط..اسامة عمي

حكاية شيخ

مهما طال عمري، وتراكمت سنوني بعضها على بعض، وازدحمت افكاري حتى تتلاطم ذكرياتي و تختلط علي في استرجاع واستذكار ما كان من امري، وما جئت من اعمال، وما اخطئت في بعضها واحسنت في غيرها، ومن كان صحبي ممن اطال صحبتي ورفقتي والاختلاف علي، او غيره الكثير ممن اقتصروا على القليل من المقال و النظرات، لا انسى منزلة عظيم في فؤادي ولا مكانته في عقلي، ولا صنيعه المشكور في نفسي، ولا اغفل عن عبرة واحدة من حكايته، ولا حرفا صغيرا من مقالته، ولا نأمة ضعيفة اختطفتها اذناي من عبراته، وبعد، لن ابعد قلمي عن قرطاسي فارمي معه فرصة الحديث عن ما كان من امري مع هذا الرجل الشريف، الطيب الصدوق، الذي لا يعرف الغدر طريقا الى ذاته ولا الفاقة سبيلا الى مبادئه، فكانه النبي في صدقه، وكانه الحمامة في طيبته، وكانه الحكيم في مقالته، وكانه الروضة المزهرة في صمته، لا يبسم ولا يعبس، لا يغضب ولا ينفعل، تؤكد عيناه صدقه اذا نطق، وحكمته اذا تحرك، وزيادة ثم زيادة في وصفه وتعديد سمو اخلاقه وصفاء نفسه من شوائب الدهور المفرقة، لا تنفعني في بلوغ مأربي من اظهاره كما وجدته وعرفته وعقلت كلامه وذهنت احساسه خلال رفقتي له.
رأيته جامدا لا يتزعزع عن جلسته قدام الكوخ فغفلت عنه ثم رايته التانية على نفس الهيئة فادرته ظهري ثم رايته التالتة فرابني حاله وشغلني امره الشاغل، ففكرت حينها واطلت التفكير حتى عزمت عزمي على سبر اغوار لبه عسى ان يرضي فضولي ويهدأ سوطه الضارب.
سرت نحوه بقلب واجف وعظم مضطرب وخطى مرتجفة وامل زهيد في قبوله رفقتي واطلاعي على مكنون جموده، حتى اذا اقتربت من المكان احسست بذبول عجيب يجول في اوصالي يريد ان يسقطني في مكاني دون بلوغ مرادي و بخياشيمي تنشط بنفحة من الطيب الطبيعي تاتي من حولي ومن كل مكان بدون اي مصدر اراه، فاكملت وانا اعجب من نفسي كيف خدعت من قبل ومن بعيد بالمكان فسلبته حقه في الروعة والجمال، ثم اذا بي اصله وانظر الى حاله فيهولني مراه و تقلقني نظراته و تشملني ضغطة عجيبة لا اعرف من اين ومن يحكمها، ثم اذا بي اتقهقهر بنصف خطوة من حيت اتيت واكملها وجلا خائبا مضطربا. فلولا كلمة او همسة منه لكنت هرولت بعيدا عن الكوخ المنعزل الغريب. قال او قل همس:
- ادنو مني ولا تخف، فاجلس حدوي ولا تدهش.
هنالك هدا عني روعي وعاد الي وقاري فسددت له امره وافرغت اذناي اريد ان احسن استماعا وفهما. و انشأ يحكي ساعة او ساعتين لا اذكر بالتمام :
- انك يا ولدي لتستغرب وتدهش من امري، هياتي الشاذة عن تجدد الانسان، وجمودي الخاص في موضعي المنعزل هذا. من حقك ان تدهش كما انه حق لكل من يراني.
قبل ستة عقود من الزمن، كنت طفلا من اسرة في المدنية المتحضرة، طبيعي كاي طفل اخر في سني، ابسم اذا تعلق الامر بالانس والغبطة، واعبس اذا كان حزنا وسخطا. والداي من النازحين القدامى الى المدنية، حالهما المادي ميسور مقارنة مع حالهم الفكري والنفسي الميؤوس منه الى اصلاحه، السرور الضمني في التعاسة كثير والبؤس المتكلف في علله اعظم. ترعرعت في ظل نفسية تهوى الهدوء والسكينة التي لطالما وجدتها في عزلتي وخلوتي الى نفسي، الى اعماق روحي،حينما اتسلل بين ديابج العقل فاستانس واغتبط كل الغبطة مما اجده من فكر خالص و سمو متصاعد، بما اجده من طمانينة الذات و رضى الفكر. كانت تلك قمة السعادة، قمة القمة. لكن كما قال الحكماء قبلي لا تطمئن الى شيئ كاطمئنانك الى غدر الدهر، وجدتني يوما فيوم اظل عن طريق الهدى الذي عهدته ايام الصبى، ابتعدت عن انس فكري ومخيلتي واشتغلت بهذر المجتمع وفساده، بضياعه في الثرترة المتناهية و النفاق المتبادل، اضرب سويعة قصيرة من الخلو المريح الى النفس واهرع الى سويعات طويلة من التهافت السلبي على الاصحاب والخلان. هكذا تغير منهجي في الحياة شيئا فشيئا. ورغم انني كنت اعي بشعوري المطرد في التغير، في الاستحالة من ملاك الطمانينة والرضى الى وهمها وسرابها الخداع للنفس، لكنه شيئ اقوى من استطاعتي هو ذاك الذي ابعدني عن راحة النفس والعقل الى اضطراب القلب والفكر.
وجدتني يوما وبسرعة الزمن الخفي فتى يشب الى التلاتين، يريد ما يريده غيره الكثير، المال، يبحت عنه بالسبل القانونية والغير قانونية، لا اتكلم هنا عن القانون المادي انما اريد قانون المبادئ. يصل اليه ويستبقيه في خزينته الى لحظة ضياعه، يضيف اليه المرة والمرات والزمن في كل مرة اكبر من الذي كان قبله. كنت اظن انني بذلك احرز سعادة النفس التي تخليت عنها مند امد بعيد، لكن علمت بعد قليل من الشهور خطاي الفظيع، ان الفرق عظيم وخطير بين سعادة يجلبها المال والصيت والشهرة، واخرى تجلبها الرضى والاطمئنان الى النفوس. اردت استغلال الفرصة وانني اتعظت من الدرس عما قريب، فاستغليت املاكي في البحت عن سعادة كانت اقرب الي من حبل الوريد، لو اني استرجعت ذكريات الصبى وفرحتي في عزلتي، لكن ما اقول، هكذا اراد قدرنا الموحد، تركي معذبا سنينا في شبه ضياع ، خاب ظني في كل شيئ حتى في وجودي، كنت ادرك خيبتي عند رقادي في غسق الليالي، استرجع كل لحظة قضيتها ضائعا تائها عن نفسي، بين ذلك الخب المنافق والاخر المتملق المتصنع ، بين وقار النهار وتصاب الليالي في مقاهي السكر، لم اكن حينها استطيع التبرؤ من اصحابي، رغم سامي ايامهم ولايامهم المرة، مرة اخرى اقول انه كان هناك شيئ اصعب من مقدرتي الضعيفة، شيئ يوجهني انى واين شاء وابتغى.
هنالك توقف عن مقالته وقفة متامل مستذكر للنقط الهامة في حياته. شيئ غريب اخر في هذا الرجل لم اعهده لدى الرجال، هو كالحكماء، كلامه قليل وصمته طويل، يحتسب و يتأن حتى في حركته الصغيرة. بعد صمت مطبق استطرد بثقل:
تلك كانت النصف الاولى من نشاتي، ليست غريبة عن مثل اقراني. عكسها النصف التانية، فتلك اجدر بالحديث الطويل والوصف العميق لما طرأ وتغير داخلي، ابتدات لحظة تعرفت على من كنت اسميته النصف المفقود، تواجهت واياه في مكتبي، كان عملا فقط لكنه استحال بعد يومين الى رفقة مؤنسة استمرت سنينا. في اليوم الاول اخد بيدي واخرجني من وسط المجمع الفاسد و المعمعة الصادرة من افواهمهم ، اتجه بي الى مجلس يسميه واصحابه مجلس محبة وتفاهم.
ذلك ما رايته فيه، محبة ظاهرة في كل علاقتهم وتفاهم وحوار منتظم بين شتى افكارهم. كانوا في هذا المجلس اصحابا يتسامرون ويتدارسون الحياة ويحاولون فك طلاسمها وهم في ذلك لهم ترفيه وسعادة لنفوسهم. لا وجود للزمن الضائع بل انه الزمن المستغل ايما استغلال، لا وجود للتيه عن النفس بل انها النفوس تتشابه بينهم.عشقت مجالسهم كما كنت اعشق عزلتي في الحياة الماضية، دابت على الحضور وعلى زيارتهم في بيوتهم، تلك هي ما تسمى سعادة العقل والقلب. ان تجد من يهديك هدى الفكر الواسع ، من يواسيك ويخفف عنك الرزء والعبئ المتقل، من يحبك الحب الصافي حتى ولو كنت على خلاف معه في كثير من المفاهيم، بسرعة الزمن ايضا تغيرت من ضائع الى موجود، من ساخط الى راض، من جاحد الى حامد، من كافر الى مؤمن، بدات دعوتي معهم، دعوة الى نبذ كل ما يشغل الانسان عن التوجه الى فكره، الى تأسيس مجالس فكر ومحبة، الى بناء مجتمع يفكر.
اصبحت متحمسا لعملي التطوعي الجديد، حماس شغل كل وقتي، وتعداه الى كياني، عاد بي الى عهد انقضى منذ زمن، الى عهد الفكر، لكن بدون عزلة بل في جماعة كنت احسبها اكثر مني حماسا وايمانا لدعوتهم، نعم، هو ذاك يا بني، لم يكونوا صادقين في منهجهم، كل ما كان من امرهم انهم شغلوا وقت فراغهم، اذهب ابعد من ذلك فاقول انهم كانوا متصنعين للمحبة منافقين لما يجول في دخائل النفوس كالذين تركتهم من اجل اللحاق بهم والى فكرهم، لا يختلفون كثيرا، الاولين كان تملقهم ونفاقهم متجليا للعيان ظاهرا بوضوح، وهم كان تصنعهم للمحبة والانس غامضا، صعب استبطانه واكتشافه. تفرقوا واحدا تلو الاخر ، ذهبوا الى مشاغلهم الى سراب السعادة ووهمها، وتركوا ورائهم ما يذكي القلب ويثلجه ويسمو بالعقل ويرفعه الى العلى، ما يوحد الجنس ويكمله.
مشكلتي انني احببتهم حبا جما، احببت كل شخص فيهم، الذين دعوني والذين دعوتهم، تعلقت بهم الى حد عظيم، فكان اثر السقطة من علو سحيق هو انبعاث عزلة جديدة وصحبة مؤنسة مقدسة بين العقل والقلب والروح، اصدق واعمق واشد رباطا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تعليقك مرحب به هنا